|
يوسف داود
شهر تموز هو
شهر الاحتفالات بأعياد النصر والاستقلال في العالم المتمدن المتقدم،
وشهر الانقلابات العسكرية والمؤامرات في العالم العربي.
أميركا تحتفل في 4 تموز من كل عام بعيد
الاستقلال.
فرنسا أم الديمقراطية تحتفل بعيد الثورة
الفرنسية في شهر تموز.
في مصر قضت مجموعة الضباط الأحرار على
الملكية في 23 يوليو 1952.
أما العراق فقد أعلن الضباط الأحرار
بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم النظام الجمهوري بعد القضاء على الملكية
في 14 تموز 1958 وسيطر البعث على السلطة في 17-30 تموز 1968 وأحكم صدام
قبضته في 16 تموز 1979، وكل التحولات جاءت بمؤامرات وانقلابات.
أمريكا وفرنسا بدأتا عملية
البناء ووضع الدستور وتشريع القوانين المدنية وبداية عهد الديمقراطية
وحرية الرأي واحترام الإنسان وفصل الدين عن الدولة وفق مبدأ "الدين لله
والوطن للجميع"
أما في مصر والعراق فتوالت
المؤامرات والانقلابات العسكرية الدموية، وكلما أحكم النظام سيطرته
منادياً بالحرية والديمقراطية ظاهرياً كلما أمعن بطشاً وتنكيلاً وسحلاً
للمناوئين، مرة بحجة الطائفية، وأخرى بحجة التجسس لصالح دولة أجنبية،
والتآمر لقلب النظام أو بتهمة تخريب اقتصاد البلد (والتهم الملفّقة
جاهزة) وعندما يضيق الأمر بالقيادات العربية يحاولون استغلال الدين أو
الطائفية لتحقيق مآربهم وغاياتهم السياسية.
لنعد إلى الذكرى 49 لثورة 14
تموز 1958 في العراق التي قادها قاسم وقضى فيها على الملكية 1- شرع
قانون الإصلاح الزراعي 2- إسقاط حلف بغداد 3- خروج العراق من سيطرة
الكتلة الإسترلينية وتحرره النقدي 4- إصدار قانون 80 لسنة 1961 الذي
انتزع من شركات النفط الاحتكارية العاملة في العراق حق الإمتياز لـ 99%
من مجالها الاستثماري.
الشركات
الإحتكارية النفطية كانت تتلاعب بكميات الإنتاج لتعجيز ميزانية الدولة،
إضافة إلى مماطلتها في الاستجابة للمطالب المشروعة للحكومة العراقية في
تحسين شروط العقود والأسعار. وتدخلاتها الخفية لإثارة المتاعب لحكومة
الثورة وتحريض نظام شاه إيران للتحرش عسكرياً بالعراق وتهييج بعض
القبائل الكردية للتمرّد على الحكومة وخاصة بعد عودة البرزاني من روسيا
عام 1958 وخلافه مع قاسم (وقد ذكرنا التفاصيل والملاحظات في كتابنا
قاتل منذ الولادة) لعرقلة التنمية في العراق، والاحتكارات العالمية
تسرح وتمرح بثروات الشعوب وتأجلت المواجهة المباشرة لكن الصراع لم
يتوقف فقد لعبت شركات النفط الاحتكارية العاملة في العراق على عرقلة
مسيرة الثورة وبكل الوسائل والدسائس.
وجاءت ثورة 17-30 تموز وأعلنت قانون تأميم نفط العراق في 1 حزيران 1972
وتوج بالانتصار في 1 آذار 1973. فاستبشرنا خيراً وبدأت الحكومة بتنفيذ
المشاريع العملاقة التي تمّ التخطيط ووضع برامجها الإنمائية منذ زمن
قاسم، ولكن سياسات صدام الجوفاء واستحواذه على مراكز القوى منذ كان
نائباً للبكر وأدخال العراق في حروب تدميرية بدلاً من التوجه إلى تعمير
العراق وبنائه، ولم يتعلم من فشله في حربه مع إيران وغزوه الكويت فبدأ
بتبذير أموال الشعب العراقي المنكوب فأخذ يوزّع الهبات والهدايا
بمليارات الدولارات من خلال كوبونات النفط (وقد أسهبنا في موضوع
كوبونات النفط والشركات والأشخاص الذين استلموا ملايين البراميل من
النفط في كتابنا الثاني نهاية صدام).
اليوم بعد
سقوط نظام صدام وما يمر به العراق من حالة الفلتان الأمني نشاهد أن بعض
الأبواق بدأت تدق مطالبة: "نريد بقاء النفط عراقي الملكية، وعراقي
الصناعة، وعراقي القرار، وعراقي التوزيع وعراقي الفائدة والخدمة". نعم
نطالب بكل شيئ أن يكون عراقي الهوية غير مرتبط بأي ارتباطات او مصالح
غير عراقية ولانقول لا نتعامل مع الشركات العالمية ولكن بالحفاظ على
ثرواتنا النفطية لابناء العراق.
كان نصيب
الشعب العراقي من نفط العراق في عهد صدام الوقوف طوابير للحصول على
نصف طبقة بيض، وشراء مواد البناء من السمنت والحديد والطابوق من السوق
السوداء بأضعاف أثمانها، وانقطاع الكهرباء وشرب الماء غير الصحي ونقص
الأدوية وانتشار الأمية وتوزع الأطفال على الأرصفة وقارعة الطريق لبيع
ورق الكلينكس أو السيكاير. نعم لقد جعل صدام خير نفط العراق نقمة
وويلات على العراق والعراقيين.
منح صدام الفرنسيين عقود
مشاركة بالانتاج في حقول البزركان بعد التأميم، وخلال فترة الحصار جهز
أكثر من عقد للتخلي عن حقول النفط العملاقة مثل مجنون وغرب القرنة في
البصرة كرشاوي للفرنسيين والروس بعد وعده بمساعدته لرفع الحصار عنه
والكف عن التهديد بإسقاط نظامه حتى وصل به أن وعد الأميركان
والبريطانيين بعودة الامتيازات القديمة في حال تركوه وشأنه.وقد باع
منطقة الحياد الكبرى للسعودية والتي تطفو على بحيرة النفط. ومنح ملك
الأردن المرحوم حسين منحة تقدر بـ 300 مليون دولار سنوياً والعراقي
يتضور جوعاً ناهيك عما قبضه الصحفيين والإعلاميين والسياسيين
والمساعدات الكبيرة التي كان يوزعها على الفلسطينيين في الضفة الغربية.
والعراقي كان يأكل الخبز الأسود (طحين أسمر مخلوط بنشارة خشب أو مكسرات
التمر) وواردات النفط تذهب إلى جيوب صدام وحاشيته ومن يسير في ركابه
والعراقي يعيش على الحصة التموينية ويعاني من نقص كبير في الأدوية
وأبسط المستلزمات الطبية والجامعات تشكو قلة الأجهزة والكتب الحديثة
وخاصة المختبرات العلمية والملاعب الرياضية. كل هذه المعاناة العراقية
لم يتعلم منها قادة العراق الدرس منها، وأصبح العراق تحت مديونية هائلة
بلغت 450 مليار دولار مع تعويضات حرب العراق وإيران. يقول الدكتور وليد
خدوري أن مسودة النفط العراقي التي أقرّها مجلس الوزراء ورفعها إلى
مجلس النواب العراقي لإقرارها بصورة نهائية هي مشروع سياسي أكثر مما هو
مشروع نفطي، بمعنى أن يفصّل الصناعة النفطية العراقية المستقبلية على
أساس الحراك السياسي الحالي (بالفعل خضعت الحكومة للضغوط الداخلية
والخارجية غير المشروعة وأصبح النفط اليوم محط إهتمام عراقيين طامعين
بنصيب جديد من المحاصصة النفطية مشاركين بذلك الغنيمة مع الشركات
النفطية العملاقة (الأميركية، البريطانية والإسترالية).
إذ لا يخفى على أحد أن
العراق لن يستقر ما لم تسيطر هذه الشركات العملاقة من خلال شركات
عراقية في بعض دول الجوار أو في أوروبا وأمريكا ولكن بأسماء غربية،
وهذه الشركات العالمية الكبرى مع الشركات العراقية العائدة لزعماء
وقادة عراقيين (اليوم) تخطط لعودة الاستثمارات تحت إسم عقود التطوير
والانتاج أو (عقود الرسك) وتسمى أيضاً بعقود الاستكشاف والتطوير التي
يقرها مشروع قانون النفط العراقي الجديد، وهي في الحقيقة والواقع
مسميات لعقود المشاركة بالإنتاج وهي شكل متطور لعقود الامتيازات
النفطية التي تجاوزها الزمن. وهناك ضمن القانون ثلاثة عقود رئيسية
يندرج تحتها أسماء كثيرة وعديدة منها: 1- عقود الخدمة لجميع أنواع
الخدمات من استشارات أو إنشاءات أو عمليات حفر آبار في بعض البلدان
منها العراق. 3- عقود المشاركة بالإنتاج ويندرج تحت هذا العنوان عقود
الانتاج والتطوير والاستكشاف (عقود الرسك) عقود إعادة الشراء. ولم
يناقش مشروع مسودة قانون النفط وحفظ لأشهر ماضية لامتصاص النقمة
الشعبية على هذا القانون المجحف بكل المقاييس للشعب العراقي ويصبح
القانون أكبر عملية قرصنة للنفط في التاريخ الحديث.
التاريخ يعيد نفسه بين
تجربة مصدق عام 1951 في إيران وحكومة المالكي اليوم في العراق.
ولنا معكم لقاء لتكملة الموضوع.
|