الدكتورة ندى الشبوط

ولدت في اسكوتلندا و ترعرعت في اميركا وتحمل هموم العراق

 

                                                                   بقلم   يوسف داود

 

تهاجر الطيور سنويا شتاءً الى المناطق الدافئة ويدفعها حنينها للعودة صيفا الى بلادها، واثناء هجرتها وعودتها قد تغير بعض الاسراب منها مسارها لتستقر في مستقر جديد وتبدأ ببناء اعشاشها فيه.

          اليوم العقول العراقية من علماء واساتذة الجامعات والاطباء والمهندسين والفنيين ورجال الاعمال، يهاجرون او يهَجّرون من العراق وحنينهم دوما الى الوطن لا ينقطع وعيونهم ترنو الى ارض الاجداد وقلوبهم ترفرف كاجنحة الطيور المهاجرة وهي تحن للعودة الى العراق، نعم ان هجرتهم القسرية من ارض الرافدين تحت ضغوط واستبداد النظام البائد وتفاقمها بعد سقوطه،  واستقرارها في مستقراتها الجديدة في انحاء مختلفة من العالم بعد تشبع هواء العراق برائحة البارود وتلوث مياه دجلة والفرات بجثث العراقيين وتحول الاشجارالى خيال المآثة، اُجبرت الطيور الى الهرب من اعشاشها والاستقرار في بلاد اخرى. عمليات الارهاب من قتل وتفجير وتفخيخ واغتصاب وسرقات والفساد الاداري سيأتي يوما وتنتهي كما كان الحال في لبنان الجريح، ويعاد بناء العراق الجديد. لكن اثار الحضارة الآشورية والبابلية التي نُهبت من المتحف العراقي لا ولن يمكن اعادتها الا نتفا قليلة منها، لانها اصبحت في ايدي مافيا الآثار وبيعت باثمان باهضة واستقرت في متاحف العالم الشهيرة.

          والعقول العراقية التي هاجرت العراق خلال العقود الاربعة الماضية، وازدادت هجرتها بعد سقوط نظام صدام (من خلال التهديد بعد قتل المئات من العلماء والاطباء والاساتذة وعلى الهوية) طلبا للامن والاستقرار وخاصة بعد تأجيج ونشر الحقد الطائفي بين العرب السُنة والشيعة، من الصعوبة ان لم نقل المستحيل ان تعود الى العراق وخاصة من ولد وترعرع في البلدان الاوربية وامريكا لاكثر من عشرين عاما. فمن وراء تهجير العقول العراقية، ولماذا؟ ولكن لكل قاعدة شواذ ورغم قلتها الا اننا نلمس ونتحسس ما يزرعه البعض من تربية عربية في الابناء والاحفاد لا زال يأتي ثماره في امريكا والغرب، وخير شاهد على ذلك هو الدكتور محسن الشبوط وزوجته ميري الشبوط وعائلته الصغيرة المكونة من ابنته  الدكتورة ندى الشبوط وزوجها المهندس احمد خليل وولديه مهندس الالكترونيات نديم الشبوط وزوجته المهندسة  ازمينا الشبوط والدكتور الجراح نبيل الشبوط وزوجته  كرستي الشبوط. الحائزة على ماجستير في تمريض الاطفال.

          الدكتور محسن الشبوط ولد في العراق وتخرج من الجامعة الامريكية في لبنان   (AUB)وحصل على بعثة دراسية في بريطانيا ودرس العلوم السياسية الفرع الرئيسي "الحكومة" مع فرع الاقتصاد. وتقلد عدة مناصب حكومية وترأس الجانب العراقي في اللجنة العراقية السويسرية الاقتصادية المشتركة ومقرها بيرن/سويسراخلال عامي79-80 وتعرض لضغوط وظيفية بعد استلام صدام الحكم، مما اضطره الى الهجرة من العراق عام 1982 وكانت زوجته ميري "فلسطينية الاصل" خبيرة الشؤون التجارية في وزارة الصناعة في العراق لمدة سبعة سنوات، وخلال سني عمله قابل الشبوط رؤساء دول اجنبية وعربية منهم الرئيس كيم آل سونغ كوريا الشمالية وشوان لاي رئيس الوزراء الصيني ورئيس اركان جيشه الجنرال لين بياووالرئيس ذاكر حسين والرئيسة انديرا غاندي والرئيس سوران سنغ من الهند والكسي كوسجين من الاتحاد السوفيتي وامير البحرين الراحل عيسى بن سلمان آل خليفة والمغفور له ملك الاردن حسين بن طلال والرئيس السوري الراحل حافظ الاسد.وشارك منذ وصوله امريكا في ا لعديد من  مؤتمرات المعارضة وانتخب عام 1985  رئيسا للجنة العربية الامريكية للتمييز العنصري/ فرع تكساس ( ADC )، وكتب في مجالات وصحف عربية وامريكية منها الحياة اللندنية والسفير اللبنانية والقدس العربي والدستورية اللندنية والمؤتمر الوطني والزمان والمجرشة اللندنية وفورت وورث ستار تلغرام نيوز وجريدة دالاس مورننغ نيوز وغيرها. وشارك في المؤتمرات الاقليمية والدولية وآخرها المؤتمر السابع عشر في المغرب عام 2006. واليوم ينهج ابناءه نهجه، فالدكتورة ندى الشبوط الحاصلة على شهادة بكالوريوس في الهندسة المعمارية ودكتوراه في تاريخ الفن الحديث في العالم من جامعة شمال تكساس، اصبحت اليوم مسؤولة رسميا عن متابعة اعادة مقتنيات وآثار ورسوم واعمال فنية نادرة لثاني اكبر متحف في العراق التي نُهبت عشية سقوط نظام صدام وهو المتحف العراقي للفنون الحديثة ( I M o M A ) Iraqi Museum of Modern Art

          فهل سمع او قرأ احد عن هذا المتحف ومقتنياته الثمينة والتي لا تقدر باثمان؟ وكيف تم اختيار الدكتورة العربية المسلمة التي ولدت في اسكتلندا ودرست في امريكا وتجيد العربية لهذه المهمة المعقدة ان لم نقل المستحيلة؟

وبعد سقوط النظام اعيد تسميته بـ "المتحف العراقي للفنون الحديثة". يقع المتحف في شارع حيفا في بغداد وهو يحتل مبنا ضخما مؤلفا من خمسة طوابق على شكل الزقورة(هيكل آشوري هرمي الشكل مؤلف من عدة  ادوار) تم اعداده اصلا كمركز تجاري ضخم وقد صممه الفنان رفعت الجادرجي ليكون نمطا ابداعيا دوليا وابدع المصممون الآخرون في اختيار المفردات الهندسية العراقيةالتقليدية ومنها :  الرواق،القناطر،الشناشيل،الفناء،الحلبة، ويتأرجح بطوابقه ومصاطبه المزروعة بين الزقورة الآسيوية وحدائق بابل المعلقة. احتوى المتحف على اكثر من 8000 قطعة شملت مقتنيات نادرة واعمال نحت ورسوم وتماثيل وصور يعود تأريخها الى القرن التاسع عشر وحتى نيسان 2003. لقد دُمّر المبنى الى حد كبير ونهبت كامل محتوياته ومن ثم احرق.

          عندما تجلت الحقائق بعد غزو العراق ونهبت آثار المتحف العراقي والتي تعود الى حضارة الامبراطورية الآشورية وهي واحدة من اقدم وارقى الحضارات البشرية في التأريخ، ومن بعده سرق ونهب المتحف العراقي للفنون الحديثة انتخى ابناء العراق البررة من داخل العراق وخارجه وهم يحاولون اعادة ما يمكن اعادته من الآثار المنهوبة، وهنا بدأت الدكتورة ندى الشبوط بدورها التأريخي فسافرت الى العراق وبدأت مع الفنانين العراقيين الاصلاء في شراء بعض القطع من داخل العراق رغم تهريب اعداد ضخمة الى الخارج، وقد تم ايجاد 1300 عمل فني في صالة المتحف الوطني (ناشنال كاليري)، وتم خزنها ولكن لم يتم احيائها او اعادتها او توثيقها او ارشفتها (بمعنى آخر انها قد تكون قد سرقت مع المليارات العراقية بعد سقوط نظام صدام) رغم مأساوية مصير المتحف وفقدان ارشيف محتويات المبنى يؤكد شهود عيان ان اعمال فنية مهمة ونادرة قد حملت وقد تكون نقلت الى الخارج مع الساعات الاولى لاجتياح العراق، وقبل ان يسمحوا لعمليات النهب والسلب الجماهيرية حتى يضيع الحابل بالنابل. وقد حاولت الدكتورة ندى مع مجموعة من الفنانين العراقيين منهم فنان النحت محمد غاني لايجاد مصادر تمويلية وشكلوا لجنة "استعادة الثقافة العراقية" واستطاعوا شراء مائة قطعة من الاعمال الفنية لكبار الفنانين ولكن نقص التمويل وارتفاع الاسعار يوما بعد يوم، احبط الفنانين العراقيين ونشط اللصوص ومافيا الآثار واصبحت المسلوبات تعرض للبيع في عمان/الاردن وباريس/فرنسا وبغياب الارشيف استحال متابعة وتقفي اثر هذه الاعمال لاعادتها والتحقت باخواتها من الآثار العراقية في متاحف مختلفة من العالم. وقد بدأت الدكتورة ندى بجمع المعلومات من خلال الفنانين وصالات العرض واساتذة الفن حيث لم يتم تحديث نظام الارشفة على مدار العقدين الماضيين ولعدم وجود الرقابة الصارمة وعدم ختم مخزونات المتحف، فان اغنى المواد الارشيفية المتوفرة هي المعلومات المخزونة في ذاكرة الافراد. ومن خلال نشاطها اللامحدود فقد تم تكريمها بشهادة الزمالة من قبل المعهد الامريكي للبحوث العلمية في العراق(تاري). وهو مشروع ضخم ويتطلب مراحل عديدة سنفصلها لاحقا. وقد اتصلت الدكتورة مع فنانين عراقيين في المنفى منهم الفنان ضياء العزاوي والفنان رافع الناصري وهما من مؤسسي حركة مجموعة الرؤية الجديدة(1969-1972) وبعدها بدأت اتصالاتها مع فنانين في عمان/الاردن التي اصبحت بوابة العراق على العالم وكذلك اجراء لقاءات وتسجيلها وجمع التسجيلات المتوفرة المسموعة والمرئية من المؤسسات والافراد، ونتيجة مثابرتها واصرارها تم العثور على نسخة من ارشيف المتحف العراقي للفنون الحديثة بعد ثلاث سنوات من اجتياح العراق.

          الجدير بالذكر انه باحساس مِلؤه  المرارة فقد تم تمزيق 250 الى 300 صورة زيتية من اصل 400 صورة تقريبا بسبب كبر حجمها الذي عرقل تحريكها ونقلها. ان العالم الغربي يجني الفائدة بشكل متزايدٍ من النتاج الفني العراقي الحديث الزاخر ويتضح الامر اكثر من خلال المعارض الفنية المتزايدة عن الفن العراقي المعاصر التي اقيمت في امريكا واوربا منذ عام 2003. واعقبت الدكتورة ندى قائلة: (واحساسها الفني ينبئها ان مستقبل الفن العراقي الحديث كمادة قيمة ستجد طريقها الى مخزونات المتاحف الغربية)، علاوة لذلك فهناك اضافة على الاعمال التي نُهبت وهُرّبت الاف القطع الفنية داخل العراق تعود لفنانين عراقيين رئيسيين متوفرة الآن في الاسواق يمتلكها افراد منتفعين واشخاص بحاجة الى المادة نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها العراق. ولا يفوتني التذكير ان بيع مادة تراثية مرئية عراقية هو عمل غير قانوني حسب مواثيق الشرعية الدولية للامم المتحدة التي تحرم المتاجرة بالفن العراقي. وتقضي الدكتورة ندى ساعات عديدة يوميا في الاتصالات وارسال الرسائل الالكترونية لمتابعة احدث المتعلقات والاخبار عن موجودات متحف الفن العراقي الحديث. وتقول الدكتورة ندى تم اقامة معارض لبعض الاعمال في بغداد شهر اب 2003 تحت شعار(نعم للابداع لا للتدمير) واتصل الفنان محمد غاني بسلطة الائتلاف المؤقتة/بول بريمر طالبا تمويلا ماليا لاعادة شراء المواد المسروقة دون طائل. فجند مجموعة من طلبته وبعض الاصدقاء لشراء القطع قدر الامكان على ان يحتفظوا بها لحين اعادة تأسيس المتحف.  وتكمل هولاء هم العراقيون الوطنيون يقطعون من قوتهم للمحافظة على تراثهم وتأريخهم، واتمنى من الحكومة العراقية تكريمهم ورعايتهم كمتبرعين وداعمين للفن. افلا تستحق النوارس المهاجرة من العراق الالتفات اليها، ووضعها في مكانها المناسب لاعادة بناء العراق؟ افلا يكفي مئات الملايين من الدولارات التي سرقها اعضاء الحكومة والبرلمان العراقي ان لم نقل البلايين؟ متى سيبدأ رئيس الوزراء العراقي الاستاذ نوري المالكي بتغيير جذري في اعضاء وزارته وتبديلهم بوزراء اكفاء عراقيين وطنيين نزيهين من المهاجرين؟ لقد حان الوقت لوضع الشخص المناسب في الموقع والمكان المناسب.

"فالدين لله والوطن للجميع".