الايمان هو التحدي الحقيقي للارهاب

 

 

    يوسف داود

   من سينتصر في النهاية؟ الايمان الحقيقي، ام الارهاب ؟ في ارض خضراء كانت تسمى بارض ما بين النهرين يرويها اعذب نهرين بمياههما هما دجلة والفرات ويسكنها اعرق شعب بين الشعوب الحضارية عبر التأريخ، هذا الشعب الذي يتفنن اعداؤه القدامى والجدد في ابادته وسحقه وتهجيره خلال العهود الغابرة ولحد اليوم ولا زالت حملات التهجير القسرية من خلال الاعتداءات المتكررة على ابناء شعب العراق الاصيل وصولا الى تفجير دور عبادة الله الواحد الاحد، إله المسلمين والمسيحيين، التي ما انفكت تتوالى بين حين وآخر، حيث لا يمر عاما حتى نسمع بتفجير الكنائس واديرة الراهبات ودور العبادة لمختلف الطوائف لارهاب المؤمنين وخاصة  المسيحيين الباقين في العراق لترك منازلهم ودور عبادتهم والهروب الى المجهول، وقد طفح السيل الزبى، فمن مجموع 1,5 مليون مسيحي قبل سقوط نظام صدام في التاسع من نيسان عام 2003 لم يبقى الا النصف تقريبا واغلبهم هاجر الى سوريا والاردن والقسم الآخر الى شمال العراق في سهل نينوى والاقليم الكردي، بسبب الاوضاع الامنية المتردية.
   م
نذ بداية الاحتلال بدأت الاعتداءات على الكنائس المسيحية لاول مرة وتلتها تفجيرات خلال الاعوام التالية، واستبشر الشعب العراقي عموما والمسيحيين خصوصا الخير مع بداية خطة فرض القانون والقضاء على البؤر الارهابية في بغداد وتحول الارهاب الى ديالى والموصل وكركوك وخاصة بعد تشكيل مجلس صحوة الانبار والقضاء على الارهابيين في المنطقة الغربية وبدأت بعض العوائل الهاربة من جحيم الارهاب في بغداد وخاصة الدورة بالعودة من سوريا والاردن والشمال. ولكن الفرحة لم تكتمل مع احتفال العراقيين المسيحيين والمسلمين بحلول اعياد الاضحى والميلاد ورأس السنة الميلادية ولاول مرة منذ سقوط نظام صدام واحتلال العراق ( عفوا تحرير العراق)، انطلقت التفجيرات مع بداية عام 2008 حيث شهدت مدينة بغداد استهداف كنيستين وديرا للراهبات وكانت عبوة ناسفة قد انفجرت امام باب كنيسة مار كوركيس للكلدان، ما اسفر عن اصابة حارس الكنيسة بجروح، أضافة الى أضرار مادية." وسقطت قذيفة هاون ظهرا على كنيسة للروم الارثوذوكس في منطقة حي الرياض (شرقي بغداد ( اسفرت عن جرح حارس الكنيسة، فضلا عن اضرار مادية وبعدها سقطت ثلاث قذائف هاون على دير للراهبات في منطقة الزعفرانية) جنوبي بغداد) ما اسفر عن اضرار مادية في مبنى الدير، من دون اي خسائر بشرية."
   وفي نفس اليوم تعرضت عدة كنائس لتفجيرات بعبوات ناسفة وسيارات مفخخة في الموصل ، منها كنيسة القديسة مسكنتا وسط الموصل، ودير الراهبات للكاثوليك في منطقة موصل الجديدة (غربي الموصل)، كنيسة مريم العذراء الواقعة شرقي الموصل، وكنيسة مار بولص للكلدان في حي المهندسين شمالي الموصل. يذكر أن مدينة الموصل تشهد منذ نيسان ابريل 2003، اغتيالات ومضايقات ضد المسيحيين راح ضحيتها عدد من القساوسة والمدنيين، ما اضطر العديد من العائلات المسيحية إلى ترك المدينة خوفا على حياتها.
   وهذه التفجيرات  التي استهدفت دورا للعبادة للمسيحيين في بغداد والموصل، جاءت عشية احتفالات المسيحيين الارثوذوكس (اتباع الكنيسة الارثدوكسية، والكنيسة الشرقية الآشورية القديمة) باعياد الميلاد، بحسب التقويم الغريغوري.
وتوجد في العراق أربع طوائف مسيحية رئيسة وهي الكلدانية ( أتباع كنيسة المشرق المتحولين إلى الكثلكة) والسريانية الأرثذوكسية، والسريانية الكاثوليكية والآشورية (أتباع كنيسة المشرق)، إضافة إلى أعداد قليلة من أتباع كنائس الأرمن والأقباط والبروتستانت.
   وقد استنكر السيد سعد عاصم الجنابي الأمين العام للتجمع الجمهوري العراقي التفجيرات الارهابية التي استهدفت الكنائس والاديرة  وقال: إن هذا العمل الاجرامي يؤكد ما قلناه مراراً وتكراراً بان تنظيم القاعدة هو من يقف وراء هذه الإعمال الإرهابية التي تستهدف إثارة الفتنة الطائفية بين أبناء الشعب الواحد ، بعد فشلهم في السابق عند استهدافهم المراقد المقدسة في سامراء والمساجد والحسينيات والكنائس في عموم العراق.
كما حمّل الكيانات السياسية ذات التوجهات الطائفية والعرقية مسؤولية ما يجري على ارض العراق من تدهور امني كبير وتراجع في العملية السياسية ، ودعاهم الى الكف عن المهاترات والدعوات المطالبة بتقسيم العراق اذا كانوا جادين في تحقيق الامن والاستقرار.   
   ولكن هذه التفجيرات جاءت لتؤكد صحوة المؤمنين واعلانهم التحدي ولاول مرة لكل الارهابيين ففي اليوم الثاني بعد التفجير الذي استهدف كنيسة مار بولس هيأ الأب بسمان جورج راعي الكنيسة مع جوقة الكنيسة وشبابها قداسا أقامه سيادة المطران مار بولس فرج رحو على مذبح كنيسة حطم سياجها وأبوابها ونوافذها بحضور جمع من الشعب المؤمن.
   
وبعد قراءة الإنجيل المقدس الذي يدعو المسيح فيه أتباعه أن يحبوا بعضهم بعضا وان يحبوا أعداءهم ويصلوا من اجل مبغضيهم قال سيادته: لماذا هذا كله؟ لماذا قتلوا الأب بولس والأب رغيد؟ لماذا يفجرون الكنائس والمساجد والأديرة والمآتم لماذا؟ نحن لسنا أعداء لأحد وإذا كان احد يريد أن يكون عدوا لنا فمسيحنا يدعونا لان نحبه وبعد أن شجع الشعب بالثبات على الايمان والصمود في ارض الوطن الذي سكنه الآباء والأجداد منذ آلاف السنين وقبل مجيء الإسلام وشهدوا لإيمانهم واستشهدوا في سبيله وسقوا هذه الأرض بدمائهم قال للجميع: دعوتكم كي نصلي في هذا القداس من اجل بلدنا الحبيب ومن اجل الذين يعادوننا لان السيد المسيح دعانا إلى محبة الجميع حتى الأعداء وان لا نحمل الحقد على احد بل لنقل مع يسوعنا يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يدرون ما يفعلون.
   واستطرد كان التفاؤل والأمل في حياة هادئة قد عاد إلينا في فترة الأعياد، لكنه لم يكن إلا الهدوء الذي يسبق العاصفة، وما حدث يكشف النقاب عن توجه لإخلاء المنطقة من المسيحيين" هذه هي الكلمات التي رددها مصحوبة بألم عميق، وتابع المطران رحّو "كانت الحال قد تحسنت كثيرا في الفترة الماضية، وعاد الناس للتردد على الكنائس وبشكل خاص في فترة الأعياد، لكن ما حدث بالأمس كان صدمة كبيرة بالنسبة لنا"، وأردف نيافة المطران "الخسائر المادية التي أصابتنا كبيرة لكن لم حمدا لله انه لم تكن هناك خسائر بشرية، وقد تدخلت في الحال قوات الشرطة والحرس الوطني والقوات الأمريكية أيضا، لكنهم يقدرون بالكاد أن يحموا أنفسهم. اما رئيس  الوزراء السيد نوري كامل المالكي فقد اكدعلى متانة العلاقة بين المسلمين والمسيحيين العراقيين ورغبتهم في التعايش السلمي وتوحدهم في مواجهة الارهابيين والخارجين عن القانون. واضاف إن الحكومة العراقية تحرص على سلامة المسيحيين العراقيين وتعمل على توفير جميع المتطلبات التي تمكنهم من العيش بأمان ورفاهية  مع جميع مكونات الشعب العراقي. وإن عمليات القتل التي يرتكبها الارهابيون لم تقتصر على المسيحيين وحدهم، انما شملت المسلمين والأيزديين والصابئة وجميع ابناء العراق، وهي جرائم تكشف عن إبتعاد منفذيها عن الايمان بالله وعن القيم  الدينية والإنسانية والأخلاقية.
   واعرب نيافة مطران كنيسة المشرق الآشورية مار كيوركيس صليوا عن استنكاره وشديد أسفه على استهداف دور العبادة المسيحية في بغداد والموصل وكركوك في الثامن والتاسع من العام الجديد. خرجت الافاعي السامة من جحورها لتبث سمومها وهذه المرة في كنائس الموصل وبغداد وآخرها في كركوك. حيث وقع انفجارين متزامنين  في كنيستين بكركوك  في الرابعة عصرا من يوم الاربعاء التاسع من كانون الثاني 2008 ووقع الانفجار الاول خلف كاتدرائية قلب اليسوع للكلدان في منطقة المحافظة بكركوك.  اما الانفجار الثاني فقد ضرب كنيسة مار افرام للسريان الارثودكس في ساحة العمال.
وقد كان التفجيرين عن طريق السيارات المفخخة ولم يبلغ لحد الان عن وقوع خسائر  بشرية لكنها الحقت اضرارا مادية كبيرة في بنايات الكنيستين.  وسيستمر تحدي الايمان للارهاب وسينتصر الحق ويزهق الباطل مهما كانت شعاراته، وقد تعلم العراقيون دروسا في الصبر وعانوا الكثير ولكنهم صمدوا وتحدوا الموت وكلما امعن مرتكبي هذه الجرائم الإرهابية في جرائمهم مستهدفين دورا للعبادة المسيحية اوالاسلامية توطدت روابط السلام والمحبة بين ابناء العراق الحبيب وازداد ايمانهم وهم يقيمون الصلاة على الانقاض في تحد  سافر للارهابيين أعداء الله والوطن والشعب.

   وتبقى الاسئلة المطروحة (( من المستفيد من هذه التفجيرات؟ هل هي قوى خارجية فقط؟ أم ان هناك من يساعدها في الداخل؟)).

 

 

 

 

تغيير: 07.04.2009

 جميع المواضيع تعبر عن آراء كتابها وليست بالضرورة رأي الموسوعة