|
يوسف داود
اردت الكتابة في قضية
حلبجة ومحاكمة الانفال والتحليل فيها،
والذي يعتبر
موضوع مهم، بل ومهم جدا لتشابكه مع الاسلحة الكيمياوية والبايولوجية
المستخدمة خلال الحرب العراقية الايرانية (ومن قبل الجانبين العراقي
والايراني) التي بدأت في 22 ايلول 1980 وتوقفت في 8 /8
/1988، بدون منتصر والطرفين اعتبرا خاسرين للتضحيات الجسيمة في
الارواح والاموال وتدمير الاقتصاد في البلدين. والاسباب كما عرفها
العالم ان الامام الخميني اراد نشر الثورة الاسلامية الشيعية من
ايران وصدام اعلن نفسه حامي البوابة الشرقية للامة العربية والدرع
الواقي لصد هذه الدعوة، وكان البطل القومي في نظر الامة العربية لانه
دافع عن الاسلام السني ضد الاسلام الشيعي. وكنا آنذاك في العراق
نناقش بهمس يسمع منه دبيب النمل قبل اصواتنا، وكنت اقول: ان هذه
الحرب قد بدأت اليوم ولن تنتهي، وكانوا يسألوني لماذا هذا التشاؤم؟
ولماذا هذا التحليل وانت لست سنيا ولا شيعيا؟ فاجيبهم البركان عندما
يبدأ بقذف الحمم البركانية ويحرق الاخضر واليابس، يخمد فترة ثم يعود
مرة ثانية لينفجر طالما فيه حرارة ناتجة عن تفاعلات كيمياوية شديدة
التفاعل والانفجار في اية لحظة. وهذا البركان الطائفي كان خامدا
لاكثر من اربعة عشر قرنا، ولكن الدوائر الاستخباراتية في العالم بدأت
بتأجيجه ابتداءا من استخدام الدين الاسلامي في افغانستان ضد الاحتلال
السوفييتي ثم في الشيشان والبوسنة والهرسك واذربيجان، وقد حاولت
الدول المستفيدة من إثارة النعرة الدينية والطائفية بان تنقل الاحداث
الى قلب البركان الخامد بعد ان انقلب السحر على الساحر! وانفلات زمام
الامور في افغانستان وانتقال الاعمال الارهابية لضرب المصالح
الامريكية من سفارات ومجمعات سكنية في السعودية وتفجير الغواصة كول
في اليمن ونادي ليلي في بالي ثم الوصول الى قلب امريكا وتفجير برج
التجارة العالمي في نيويورك في 11 ايول 2001 . وكان حصان طروادة لا
زال ينتظر الايعاز والاوامر، فكان غزو الكويت والذي اعتبِرَهُ فاجعة
على الامة العربية والتي سُلَّمـت راياتها الواحدة تلو الاخرى
لترفعها وتنزلها القوة العظمى التي بقيت وحيدة في الساحة تجول وتصول
من اجل حماية مصالح اسرائيل وتقويتها في المنطقة على حساب العرب.
اليوم بدأ المستفيدين من التناحر الديني في العالم التوجه لخطوة اكثر
تقدما وهي تأجيج البركان الخامد منذ اكثر من 14 قرنا بين المسلمين
السنة والشيعة في العراق، وبعد القضاء على حصان طروادة، تم تهيئة
العشرات من حصان طروادة عن طريق تحريك الطائفية السنية والشيعية في
اخصب تربة تقبل نموها وبسرعة لا يتصورها العقل الا وهي ارض العراق،
بسبب تفشي الامية بين اكثر من 80% من ابناء الشعب العراقي والفقر
المدقع والفساد الاداري في قمة الحكومة والبرلمان والمسؤولين في
الدولة، وتصرفات بريمر التي اعتبرت اخطاءً قاتلة ولكنها في الحقيقة
جاءت بشكل مدروس ومبرمج ومخطط في ارقى الدوائر الاستخباراتية في
العالم، وتم تنفيذها بين طبقات شعب عانى الامرين من الظلم والاضطهاد
وانتشار الامية والامراض والفقر لعقود، والذي كان ابناؤه يحاولون
التمسك بقشة للنجاة من امواج بحر هائج.
ومرة اخرى ينقلب السحر
على الساحر وتأتي الرياح بما لا تشتهي السَفَنُ، مما اجبر الجهات
التي ارادت الاستفادة من تأجيج الطائفية الدينية في العراق الى
التراجع والتقهقر امام المجريات العاصفة وتحاول تغيير سياساتها في
العراق والمنطقة، فبدأت بفتح الحوار واللقاء برموز عراقية داخل وخارج
العراق وعقد مؤتمرات
اقليمية ودولية وآخرها
مؤتمر شرم الشيخ الذي شاركت فيه اكثر من 60 دولة بضمنها الدول الخمس
الدائمة العضوية في مجلس الامن الدولي والدول الاوربية والامين العام
للامم المتحدة والمؤتمر الاسلامي والجامعة العربية وايران وتركيا.
واقول شكرا لكل من حاول ويحاول ان يخفف من معاناة العراقيين ومن
يساعد العراق في اطفاء الديون نسبيا او كليا، ولكن واقولها
بمرارة ارجو ان لا تكون مقررات هذا المؤتمر كسابقاته من المؤتمرات،
اعني ان لا تكون مقررات من اجل الحضور والمشاركة في المؤتمر وتسطير
القرارات، بل وهي امنية كل العراقيين والعرب المخلصين والمسلمين في
العالم وكل انسان يحب السلام والحياة، ان تترجم هذه القرارات على ارض
الواقع من اجل امن واستقرار المنطقة. والاسبوع الماضي كان هناك لقاء
وحوار جميل بين شيوخ وائمة الجوامع والمساجد السنية والشيعية في
كاليفورنيا (الذي تزامن مع انعقاد مؤتمر شرم الشيخ في مصر) وقد اكد
فيه المجتمعون على احترام كل طرف للآخر ونبذ التجاوزات والالتزام من
ائمة وخطباء الجوامع في خطبهم بعدم التهجم على الطرف الآخر واحترام
العادات والتقاليد والطقوس الدينية لكل طائفة. ومن باب التذكيراقول:
ان امريكا فيها من الاديان والطوائف والقوميات الاثنية ودور العبادة
للجميع ما لا يعد ولا يحصى، وكل واحد لا يعتدي على الآخر بل ويحترمه
وفقا للدستور والقانون، منطلقين من ان امريكا وطن للجميع والدين لله.
ونتمنى ان تنتقل مقررات وتوصيات اللقاء الاسلامي في كاليفورنيا لتطبق
في العراق ويحترم كل انسان اخيه الانسان في الانسانية والقومية
والديانة والطائفة( لان هكذا خُلقت البشرية، الانسان، القوميات،
والاديان فالطوائف)، وعندما تتصافى القلوب وتحل المحبة في القلوب
وتطرد الكراهية وحب الانتقام ويحب الانسان العراقي اخيه كما يحب
نفسه، عندها فقط تتكسر الاسوار المصطنعة وتتهدم الجدران الاسمنتية في
الاعظمية والمنوي بناؤها لاحقا وسنجيب على عنوان المقالة ونقول:ان
العطار قد اصلح ما افسده الدهر، ونرى استقرار الامن في العراق
والمنطقة مع انبعاث العراق الجديد.
|